مواقف في ذاكرة النسيان

مواقف في ذاكرة النسيان

هناك مواقف تمر بنا لنقف أمامها ونتفكّر؛ فنحن لا نمر بها مرور الكرام، نمر بها لنتفكّر لتشهد علينا في أحد الأيام وتخبرنا بأن هذا الموقف أضيف لنا كنوع من التجربة والخبرة لنستفيد منها ولكن السؤال الحقيقي هنا هل نحن نستفيد من المواقف التي نمر بها أو أننا نقول سنتعلم لاحقا؟

كم هي عدد المواقف المشابهة التي نحن بحاجة للمرور بها حتى نتعلّم حقا؟ موقف؟ اثنين؟ ثلاثة؟ عشرة؟، نحن نملك العقل ولكن هل حقا نحن نستفيد منه أم نحكّم قلوبنا ومشاعرنا وأحاسيسنا ونخبر أنفسنا بأننا سنكون بخير وعلى أتم ما يرام.

قبل أكثر من عام مررت بموقف كان صعبا؛ عصيبا؛ قد يكون مؤلم ولكن كنت أقوى من الموقف نفسه واستطعت تجاوزه في فترة بسيطة جدا ولكن لاحقا اكتشفت بأن آثار الموقف باقية ولم أتخلص منه أبدا، على الرغم من أني قطعت على نفسي وعدا بأن لا أمر بالموقف ذاته فمثل هذه المواقف تتعبني كثيرا، ولكن اللسان ليس له عظم والوعد لم أستطيع الإيفاء به؛ لأكذب على نفسي أكثر ومررت بموقف أشبه بالموقف السابق بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر لأجد نفسي وقعت في فخ نفسي.

منذ وقت قصير جدا استطعت التخلص من هذا الموقف مجددا ولكن ظلّت الآثار باقية حتى الآن؛ أردد في نفسي إنه ضرب من الجنون ويجب علي الضرب بيد من حديد من جديد حتى أكون أقوى من نفسي ولا أنكث الوعود التي أعد نفسي بها، ولكن عندما لا نمتلك قوة أكبر من الظروف ماذا نفعل؟ نماشيها لحين تسقطنا في الحضيض.

أهدي هذين الموقفين لعنتي علّها تصيبها وتبتعد عني؛ كل الذي أريده التخلّص من شوائب الموقفين حتى أتمكن من العيش بأمان وسلام وراحة تامة.

وعدت نفسي مجددا أن أكون أقوى من الظروف التي أمر بها وربما تقهرني.

دمتم

مانع عبدالصمد المعيني..

سلّمتك عقلي

سلّمتك عقلي

تعلّمت في إحدى التجارب التي مررتُ بها أن أسلّم عقلي للطرف الآخر دونما مناقشة؛ هل هذا الأمر صحي أم أنه مبالغ به؟ في لحظة من اللحظات نجد أنفسنا محاطين بالكثير من التحديات التي لن نتمكّن من التخلّص منها سوى أن نفعل ما نؤمر ونحن مغمضين الأعين؛ هل ستتخذ هذه الخطوة أم أنك ستستمر في المحاربة لتحقّق ما تريده وتتمناه على الرغم من أن هذا الطريق الذي تود أن تكمل فيه وعر وصعب ومليء بالأشواك ولن تخطو نصف خطوة إلا وأنت قد جرحت نفسك، قد يكون الأمر عادي بالنسبة للبعض ولكنه صعب بالنسبة للأشخاص الذين يرون أنفسهم مبدعين ويفكرون خارج الصندوق وقد قرأت إحدى التغريدات مؤخرا ” هل فكرنا يوما من الذي اخترع هذا الصندوق؟ ”.

في إحدى المراحل الدراسية التي درستها؛ كنت أسلّم المشروع كاملا دونما نقصان، فكان المشرف يرسل لي جوابه بأنه يجب علي أن أتّبع ” تعليمات المشروع ” من ناحية شكل الملف دون أن يعلّق على المحتوى؛ كانت علاماتي جيدة جدا على المحتوى ولكن كان المهم بالنسبة للمشرف إتباع التعليمات التي لا تسمن ولا تغني من جوع؛ هذا الأمر الذي أحاول تفاديه ولكن ظروف الحياة في الكثير من الأحيان تجبرك وتلزمك وترغمك على تسليم عقل ما أن تدخل لهذا المكان ومن بعد الخروج منه تستلم عقلك لتفكر به كما يحلو لك.

هل تسليمك لعقلك للآخرين لإتبّاع إجراءات معيّنة هل هو أمر محبّذ أم أنني سأكون إمّعه؛ لا أعرف ماذا أفعل؟ قد لا أحتاج التوجيه أو الإرشاد بقدر ما أني أود أن أشارك هذه التجربة العقيمة والمتعبة مع الآخرين التي تضعنا في زاوية محصورين بها ولن نتمكن الخروج منها إلا إذا تخلّصنا من عقدة تسليم العقل للآخرين.

كل الذي أود أن أقوله تبا للمواقف التي تضعنا في مثل هذه المواقف الصعبة والتي تجعلنا لا نعرف ماذا نفعل أو ماذا نقول أو كيف نتصرّف، لذلك سحبت اللا مبالاة لحياتي وعقدت معها صفقة أن نكون أصدقاء لبرهة من الوقت لحين التخلّص من هذه الآفة؛ هل لأحد أن يتخيّل بأن اللا مبالاة رفضت مصادقتي وطلبت مني مواجهة الأمر بكامل قواي العقلية ومشاعري وأحاسيسي لأتعلّم جيدا من التجربة.

دمتم

مانع عبدالصمد المعيني

بعد الإنتهاء من كتابة رواية طاهر – موت رحيم

بعد الإنتهاء من كتابة رواية طاهر – موت رحيم

في تلك اللحظة ما أن وضعت النهاية للرواية؛ تنفست بعمق، نظرت حولي، وضعت نظارتي جانبا؛ هل أنا سعيد أو حزين؟، سأرتاح من عناء التعب النفسي؛ سأرتاح من الطاقة السلبية المكسوبة من الرواية؛ لن يزورني طاهر في الليل على هيئة كابوس لعين؛ لن يقترب مني أكثر؛ لن أشفق على رحيمة أكثر؛ لن أكترث بريما أكثر، سأرمي هذا العالم الذي خلقته بنفسي خلفي.

في تلك اللحظة أقفلت لاب توبي وأنا أشعر بالراحة التامة؛ أود أن أصرخ بأني انتهيت من كتابة الرواية؛ أود أن أخبر الجميع بأني أحضّر لمفاجأة مختلفة للجميع، ذهبت للخلود للنوم براحة بعد عناء أشهر؛ تلك الليلة عندما وضعت رأسي على الوسادة كانت ليلة مختلفة؛ لن ينتظرني طاهر لأنتشله من ضياعه؛ لن أحتاج لأي تبرير ولن أعيش المعاناة.

في تلك اللحظة، كل شيء يتمحوّر حول هذه اللحظات الصعبة والعصيبة التي عشتها وأسرتني وكنت أتحدّث كثيرا في تلك الفترة لأفرّغ الطاقة السلبية التي اكتسبها كل يوم من كتابة الرواية.

في تلك اللحظة تذكرت جميع الروايات التي كتبتها والتي تفوق العشرين رواية؛ إلا أن هذه الرواية كانت من أصعب الروايات التي كتبتها لأني تناولت فيها قضية الموت الرحيم؛ قضية مؤلمة كتبتها بقلب بارد دونما اكتراث وضرب جميع الأعراف بعرض الحائط؛ لم أهتم أبدا، كل الذي أردته تفريغ الشعور الذي أمرّ به في كتابة؛ فالكتابة عبارة عن حالة يمر بها الكاتب، قالها لي أحد الأشخاص أكتب كل الذي تشعر به وصدقني بأنك سترتاح ومنذ ذلك اليوم، كل شيء أخافه أو أشعر به أكتب عنه لأتخلّص منه؛ كانت فكرة الرواية تلاحقني وهي التي تطلب مني كتابتها حتى كتبت عنها ووقعت في الفخ، لتتحوّل الحالة الخاصة التي كنت أمر بها لحالة عامة مسيطرة علي طوال الوقت وكأني ندمت على كتابة هذا الموضوع والأدهى من كل ذلك أن رحيمة شخصيتها كانت قوية؛ صامدة؛ شامخة؛ قوية البأس، لا يستطيع أي شخص على أرض الواقع أو حتى في الرواية أن يغلبها أبدا.

في تلك اللحظة طويت صفحة الرواية مرّحبا بإنجاز آخر وجديد؛ لأجد لعنة الرواية تلاحقني فهناك جزئين آخرين؛ لا أظن بأن رحيمة اكتفت ولا حتى طاهر ولا حتى ريما ولا حتى الشخصيات الأخرى؛ تبا، يبدو بأني سأدور في هذه الدوامة.

دمتم بود 

مانع عبدالصمد المعيني..

أين يذهب الإبداع في حضرة الوقت

أين يذهب الإبداع في حضرة الوقت

لطالما أردد بأني متيّم بالإبداع وسأفعل أي شيء لأبرز عملي بشكل إبداعي؛ ولكن بعض الأحيان توافينا ظروف الحياة لقتل هذا الإبداع في داخلنا وبسبب هذه الظروف اللعينة نستغني عن الإبداع الذي وهبنا إياه رب العالمين كهبه منه ويود منا أن نسخّر هذا الإبداغ لخدمة البشرية؛ ولكن بسبب هذه الظروف المستعسرة نجد نفسك خاويا من الإبداع ولا تستطيع التنفس لكثرة الإتباطات والإنشغالات وكل الذي توّده تسليم المتعلقات حتى لا يفوت الوقت ولا تفوّت وقت التسيلم ويحاسبك الآخرين بأنك لا تؤدي عملك على أتم وجه؛ ولكن المشكلة التي لا يود أن يفهمها أحد هو أنك لم تتأخر عن تسيلم عملك وكل الذي حصل معك هو أنك تود أن تتقن عملك وتسلّمه على أتم وجه.

كلما وددت أن أكون مبدعا بالذي أفعله أجد بأن الوقت يسرقني منه ولا استطيع اللحاق به أبد الآبدين؛ فالساعة تدق والدقيقة تتراقص أمامي والأيامي تحدّق إلي والجميع يلومني بأني مقصّر؛ أنا لستُ مقصّرا ولكن أنا لدي منظار يختلف عن المنظار الذي تمتلكونه أنتم، أنا أنظر للأمور من زاوية أخرى؛ أنا أفكر بعمق لحل المشكلة بشكل جذري وتقديم حلول فيصلية للتخلّص من المشكلات أو التحديات أو الصعوبات من الجذور؛ أنا أقف حائرا أمام الإجراءات المعقّدة والتي تقتل عامل الإبداع في نفس كل شخص مبدع ويود أن يخدم البشرية.

أنا لستُ مثل أحد ولا أحد مثلي؛ قد أكون أسوء؛ قد أكون أصعب؛ قد أكون معقّد أكثر من اللازم؛ قد أفكر بعمق في تفاصيل التفاصيل وكل الذي عليكم هو إتاحة الوقت لي لأنجز العمل على أتم وجه فبداخلي طاقة متفجّرة لن يتمكّن أي شخص من لحاقي إذا ما أنفجرت في أعماقي ولم أستخدمها.

أنا إنسان خلقني الله وفي داخلي بذرة من الإبداع؛ عندما كبرت هذه البذرة كبرت معي وأثّرت كثيرا على عقلي وتفكيري وجعلتني لا أستجيب للإجراءات الروتينية وأود التفكير بطريقة إبداعية مختلفة؛ لا أستطيع العمل في مكان يؤمن بالإجراءات الروتينية العقيمة، كل الذي أتمناه أن أجد شخصا يقدّر الإبداع الذي أحمله معي ويستفيد منه.

أنا أواجه الصعوبات والتحديات معظم الوقت وربما كل يوم وفي كل يوم أقول غدا أجمل وسأجد من يؤمن بي وبإبداعي وسأتمكّن من التغيير؛ ولكن حتى الآن لم يصل الغد الآتي، هل أدفن الإبداع وأجعل الوقت هو الذي يتحكّم بي.

مودتي،

مانع عبدالصمد المعيني..

رواية طاهر – موت رحيم

مانع عبدالصمد المعيني..

لوهلة تبدو القضية التي أتحدّث عنها في روايتي طاهر – موت رحيم؛ قضية جديدة من نوعها في العالم العربي؛ فأثناء بحثي قبل كتابة الرواية لم أجد رواية تناولت موضوع الموت الرحيم؛ فانطلقت الفكرة للتطرّق عن هذه القضية التي أراها بالنسبة لي مهمة من وجهة نظري الشخصية وقد تكون مهمة بالنسبة للأطباء، أظن بأنهم يعانون في أحد المراحل مع أسرة المريض خصوصا أن الموت الرحيم لم تسنّه أية دولة عربية حتى الآن وحتى الدول الأجنبية التي وافقت عليه فالمؤسسات القائمة هناك تُعاني كثيرا ويتم رفع قضايا عليهم وبين مد وجزر وبين قبول ورفض ولكن السؤال الأهم ” سيكون الموت الرحيم مشرّعا في السنوات القادمة؟ ”.

الموت الرحيم عبارة عن تدّخل طبي لإنهاء حياة المريض وهو محرّم في الديانات السماوية، كما ذكرت ” إنهاء حياة المريض ” ولكن إذا لم يكن مريضا، هذا الذي أتناوله في روايتي بأن أحد الشخصيات الروائية يقرر الخضوع للموت الرحيم لأنه تعب من الحياة ولكن هل هذا السبب يعتبر كافي لإنهاء حياته؟، العالم الإسترالي ديفيد خضع للموت الرحيم عام ٢٠١٥ لأنه تعدّى المئة ويأس من الحياة فاتخذ هذا القرار.

الرواية تدور أحداثها في دول الخليج بين طاهر ووالدته رحيمة وريما أخته المحتضنة والمحامي فيصل الذي يرفض كشف أي شيء للمحافظة على الأسرار؛ عندما يصل طاهر لعمر الثمانية والعشرين يصرّ على والدته معرفة حقيقة والده فهو لم يلتقي به يوما ولا يعرف عنه شيء، خصوصا أن والدته كشفت له إحتضان ريما مؤخرا لأنها إنسانة غامضة.

رحيمة سيدة أعمال ناجحة شقّت طريقها بنفسها وعانت الكثير وتحدّت الجميع ولم تود من أحد أن يعكّر صفو حياتها فهي مرّت بالكثير من الأحداث في حياتها؛ فالحرب أخذت منها أهلها وأرهقتها وسرقت روحها ولم تعد كما كانت؛ خرجت من وطنها حاملة معها حفنة من التراب مخلّفة كل الذكريات خلفها دون أن تلفت لها وترفض العودة لوطنها، هناك الكثير من الأحداث التي مرّت بها رحيمة لتجعلها إنسانة غامضة والأدهى من كل ذلك أنها تخاف على طاهر من نوائب الدهر وتريد أن تحميه من كل شيء ولكنها نسيت أن تحميه من نفسها الأمّارة بالسوء.

رواية طاهر – موت رحيم، فيها عدد من الرسائل المبطّنة التي وضعتها وعلى القارئ أن يفهم مابين السطور، خضت تجربة نشر مختلفة وهي النشر الورقي والإلكتروني والصوتي لأصل للقارئ العربي.

بالمناسبة هذه الرواية تعتبر الجزء الأول وهناك أجزاء أخرى بإذن الله..

دمتم بحب،

مانع عبدالصمد المعيني..