قصتي مع كتاب قصتي

قصتي مع كتاب قصتي..

كم هو جميل أن تقع أيدينا على كتاب كتبه شخصية قيادية ملهمة يطمح الجميع أن يكون مثله في أسلوب قيادته الذي أبهر العالم أجمع بحنكته وحكمته؛ قبل أن أفتح الكتاب تأملت صورة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يقف بعِزة وكرامة وشموخ لن يفهم أحد سر هذه الوقفة إلا من يقرأ الكتاب..

عندما يهتم قائد بكتابة مذكراته وسردها على المجتمع وأبناء شعبه فإنه يهديهم دروس وعبر سنوات وقد تكون هذه الدروس والعبر آلالام سنوات وتحديات خاضها والكثير من الجوانب الأخرى؛ من منا يتخيل أن قائد مثله عاش في أحد الأيام في صحراء لتكون العقارب بجانبه وتلدغه ويتألم منها ليتعلم؛ كل كلمة مكتوبة في هذا الكتاب عبارة عن درس لحاله وعبرة بل رسالة للكثيرين ويوّد منهم أن يتعلمون منه؛ كل قصة في الكتاب ذكرها لها مآرب وعدد من الدروس المستفادة..

لم أتخيّل يوما بأني سأقرأ مذكرات قائد يحكي فيها عن التحديات التي خاضها جده ووالده وكيف كانت دبي منذ مئات الأعوام تحضّر لحياتنا الحالية فهي منذ البداية دخلت في تحديات عدة وظروف صعبة والكثير من الخسائر والكوارث الطبيعية التي مرّت على إمارة دبي؛ إمارة دبي التي تقف اليوم شامخة كانت صحراء ولكن بحكمة المرحوم رحمه الله الشيخ راشد تحوّلت من الصحراء لجنة والسبب يعود لأمر واحد وبسيط جدا وهو القرب من الناس والشعب؛ عندما كانت تحلّ بعض الكوارث لم يكن يقدّم عامة الناس أو الشعب بل كان يقدّم أبناءه وأبناء إخوته لإنقاذ الناس من هذه الكوارث كإنقاذ المصابين من حادثة السفينة دارا؛ الحادثة التي أصابت الجميع في المحجر؛ كانت كارثة لا يستطيع أحد وصفها؛ توافد الجميع للمساعدة وأولهم أبناء الشيخ راشد رحمه الله.

لم أتخيل يوما أن أقرأ مذكرات قائد يحكي فيه عن حبه لوالدته لطيفة وكيف كانت تهتم به وقصة قدومه لهذا العالم فإزدان العالم به ولكن بعد موقف مؤلم مرّت به والدته وهو فقدان ابنها مروان وبعد هذا الفقد حلمت بأنها ستحمل بصبي وسيكون اسمه محمد وبالفعل تحقّق الحلم وأتى محمد بن راشد؛ القائد؛ الوالد؛ الابن؛ الأخ، كان المقرّب من والديه وأبدى والده الإهتمام به منذ الصغر وعلمه جميع العلوم التي يحتاج إليها؛ أخذه للصحراء ليتعلّم شظف العيش والتعامل معها؛ تعلّم عن الطيور والحيوانات والكثير من العلوم الأخرى التي أفادته وجعلته قائدا فذا، تألّم هذا القائد بوفاة جدّه ومن بعدها توفيت والدته وكان الفقد أكبر حيث أنها سافرت عنه ومن بعدها توفيت؛ كان يود إهدائها الساعة التي يرتديها ولكن القدر كان أسرع منه ومن الجميع، هل لنا أن نتخيل هذه القصص والجانب العائلي من القائد الذي نراه شامخ اليوم ولا يهاب المستحيل؛ بل يقودنا نحو المستحيل؛ لله درّه..

يذكر موقفا عن والده رحمه الله عندما أخبر شخصا بأنه قائد فقال له سموه بأن هذا الشخص ليس قائد فرد عليه والده رحمه الله إذا لم يكن هناك قائد فيجب علينا صنع قادة أقوياء، هذا الموقف بحد ذاته درس عظيم وإقتباس رائع بإمكان الجميع تطبيقه وهذا ما فعله سموه بإطلاق برنامج إعداد القادة لأنه مؤمن بالقوة البشرية.

 أسهب سموه في مذكراته عن المشاركة الأولى له في سباق الخيل وذكر كيف أن الخيل تعرضت لظرف صحي وكان باقيا على السباق أربعة أشهر والظرف الصحي يحتاج لثلاثة أشهر فكان يواضب على العلاج دون كلل أو ملل وبصبر تام؛ استمتعت وأنا أقرأ هذه القصة بالذات لأنه كان يسردها بحماس وشغف كبير؛ فدائما المرة الأولى تكون مختلفة عن المرات القادمة، أما عن قصة سفره للندن للمرة الأولى فهو لم يكتفي بذكر المجريات فقط بل ذكر بعضا من مشاعره وأحاسيسه دونما خجل وكيف أنه كان متحمس للسفر لمعرفة لندن عن كثب؛ السبب الأساسي للسفر كان هو بناء مطار دبي الدولي حيث أن دبي لم يكن لديها مطارا وكان إصرار الشيخ راشد رحمه على بناء واحدة ليتسنى لدبي مسابقة الزمن، هل لنا أن نتخيل بأن هذا المطار الذي تم بناءه في سيتينيات القرن الماضي بات اليوم من أهم المطارات الدولية في العالم أجمع، قصة المطار لوحدها ألهمتني وجعلتني أؤمن بأن الإنطلاقة تحتاج لشرارة.

ذكر سموه عن رحلته للندن لدراسة اللغة الإنجليزية ووصف وضعه بالتفصيل ولم يخجل بذكر التفاصيل المادية الشيء الذي دعاني للإستغراب والأجمل من ذلك أنه سكن مع سيدة في بيتها؛ أسعدتني جدا التفاصيل التي ذكرها، شعرت بقربي منه وقربه مني ولكن كما ذكر بأنه حصل أمر لم يكن في الحسبان؛ إتصال من والده دعاه للعودة لأرض الوطن، كان سبب عودته عقد إجتماع الإتحاد وكان الإعتماد الكلي عليه وكان إجتماعا سرّيا لم يودوا أن تتسرب الأخبار لأحد خوفا من إحباط هذا الإجتماع فقام بالإعداد والتجهيز والترتيب والتنسيق.

قصة الإتحاد لم تكن بتلك السهولة التي يتصورها البعض، كانت صعبة جدا وظروف المنطقة المحيطة المحاطة بالأطماع كانت أحد الأسباب إلى أن توالت الإجتماعات وتحقق هذا الإتحاد وكان على سموه أن يعمل جاهد لتكوين جيش واحد، وضع لنفسه هدفا وحققه في الوقت المناسب.

ذكر بأنه إلتحق بالكلية العسكرية في إنجلترا لأن الإعتماد كان عليه، فأراد أن يثبت للجميع بأنه قادر على هذه المهمة ” هل لك أن تتخيل بقراء قصة قائد عن هذه الأيام الصعبة؛ الذي إلتحق بالعسكرية يعرف مدى صعوبتها ” في بادئ الأمر لم يكن أحد يعرف من هو ولكن ما أن عرفوا بذلك حتى قاموا بالتشديد عليه أكثر حتى لا يقولون بأنهم يتهاونون معه، عاد من هناك وهو على أهبة استعداد لتكوين جيش واحد في دولة واحدة وسارت الأمور كلها على مايرام إلا أن هناك بعض المواقف يجب عليها أن تقف عائق؛ ذكر حادثة الإنقلاب في إمارة الشارقة، أثناء قراءتي لهذه الجزئية، لا أعرف هل أفرح أم أبكي ولكن كل الذي أعرفه بأن عيناي برقت وإمتلأ الدمع بها خصوصا عندما يكون هناك موقف سلبي من أحد الأشخاص الأقرباء لنا وكيف أن الشيخ زايد رحمه الله كان حازما ولم يكن هناك مجال للتراجع؛ خصوصا أن الإنقلاب كان قد يؤدي لعواقب وخيمة وذكر أيضا قصة استشهاد سيف غباش رحمه الله؛ تألمت كثيرا وأنا أقرأ هذه القصة.

الأمر الذي أعجبني كثيرا وكانت حكمته وحنكته واضحة جدا في التعامل مع الإرهابيين وكيف أنه تعامل مع المواقف تلك على الرغم من أنها صعبة وحادة إلا أنه كان هادئا في التعامل، على الرغم من مسؤولياته الكبير والكثيرة وفي وقت حرج إلا أنه لم يترك المجال لأحد وتحدث مع الإرهابيين لوحده؛ القائد الحقيقي لا يجلس خلف المكتب ويصدر الأوامر بل يكون معهم في الميدان.

شدّني كثيرا عنوان فصل ” بين الحرب والسلام ” وكنت مشتوق لمعرفة ماهية هذا الفصل، تحدّث باسهاب عن الدول التي دخلت الحروب وكيف أن دولة الإمارات العربية المتحدة تعاملت مع هذه المواقف بحكمة بالغة، فالحرب لن يخرج منها منتصر فالجميع خاسر، أسف سموه على حال الدول التي دخلت الحروب وتجرّعت الكأس وزهقت الكثير من الأرواح والخسائر المادية والكثير وبعد أربعين عام أثمرت ثمار إختيار السلام بدلا من الحروب التي أحاطت بالمنطقة والتي تأثرت كثيرا خصوصا عندما همّ البعض بسحب أمواله من دبي لأن المنطقة بالنسبة لهم لم تكن آمنة وكان قرار سموه بأن من يريد أن يسحب أمواله ويرحل ليفعل ذلك ولكن بعد ذلك عادوا، قرار حكيم جدا.

في إحدى الإجتماعات طرح سموه مقترح تطوير السياحة في دبي فكان رد أحدهم ماذا سيجذب السياح في دبي خصوصا أن الطقس حار وصحراء؛ ولكنه في إحدى المرات كان ذاهبا للصحراء فوجد عائلة في الصحراء وعندما سألها عن سبب وجودها فقالوا الشمس والصحراء فأدرك بأن السياحة ستكون بسبب الشمس والصحراء واستطاع استغلال هذه الموارد لجذب السياح وتم إطلاق حملة ” الوجهة دبي ” كنوع من التسويق لإمارة دبي.

هناك الكثير من الفصول التي تحدث عنها كمجلس التعاون وإطلاق شركة الطيران ” طيران الإمارات ”؛ هذه القصة بالذات أعتبرها قريبة من قلبي جدا خصوصا أن البريطانيين كانوا رافضين لفكرة بناء مطار في دبي والآن المطار يعد من المطارات العالمية والتي تنافس هيثرو؛ إطلاق ميناء جبل علي كذلك.

تحدّث عن بيروت وعن الحروب الأهلية التي فرّقت بين أبناء الشعب الواحد وكيف أنها انقسمت لطوائف والكثير من الأمور الأخرى التي شتتت لبنان.

تحدّث عن علاقة الإمارات بالكويت وكيف أن الكويت كانت رائدة في تقديم الكثير من الخدمات لدولة الإمارات ولكن قصة الغزو كانت صادمة بالنسبة للجميع وسببت ربكة في المنطقة.

تحدّث عن الحروب بشكل عام وكيف أنها أثّرت على المنطقة وكيف أن الدول التي دخلت الحروب كان بإمكانها تلافيها وحل الموضوع بشكل ودي؛ دور الشيخ زايد رحمه الله كان بارز جدا في هذا الوقت وكان يسعى لإيجاد الحلول والمساعدة وتشكيل القوات، المنطقة لم تهدئ، بل كانت الحروب تدمرها، تخرج دولة من حرب لتدخل أخرى في حرب أخرى وهكذا تدور الدائرة.

تألم سموه كثيرا لرحيل والده وبكت دبي والإمارات ووصلت البرقيات من الكثير من الدول التي عزّت في رحيل الرجل العظيم.

في إحدى اللقاءات مع الراحل معمر القذافي أخبر سموه بأنه يريد دبي في أفريقيا ولكن المشكلة أنها كانت مجرد أمنيات وتمنيات.

تحدّث عن رحيل الوالد القائد رحمه الله الشيخ زايد وكتب عنه بحزن شديد.

لم يهمل جانب الحديث عن هواياته وهو ركوب الخيل؛ أسهب في الحديث عن خيله ” دبي ميلينيوم ” وكيف أنه تأثر بوفاته عندما أصيب بداء العشب وحاول ساعيا لإيجاد علاج له ولكن لم تفد محاولاته فرحلت الخيل بهدوء، كتب بكل صراحة وطلاقة عن علاقته بالخيل وكيف أنه يتحدث ويجلس معه لوقت طويل ويحضّره للسباق.

أخيرا تحدّث عندما تقلّد رئيسا للوزراء حاكما لدبي وكيف أنه غيّر في الكثير من الأمور والإجراءات وقلّص عدد اللجان وعرض خطط بحضور رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد حفظه الله ورعاه.

أنهى الكتاب بالوصايا العشر.

تعليق:

أثناء قراءتي للكتاب كنت في رحلة من الإمارات المتصالحة وصولا باليوم؛ المنطقة مرّت بالكثير من الأحداث والمواقف الصعبة والقرارات الحازمة التي أوصلت دبي والإمارات لهذه المكانة بين دول العالم، جهد سموه واضح حفظه الله ورعاه.

أثناء قراءتي للكتاب عرفت الجانب الأسري لسموه وعلاقته بوالدته ووالده رحمهما الله وإخوته وعلاقته بالفروسية والصحراء والبدايات والصعوبات التي مرّ بها على الصعيد الشخصي خصوصا عندما كوّن جيش في وقت قصير جدا.

أتمنى أن ألتقي بسموه شخصيا لأشكره على هذا الكتاب العظيم والذي اختصر فيها قصته وقصة دبي الإبنة المدللة والتي عانت الكثير، طريقهم كان محفوفا بالمخاطر والتحديات والصعوبات.

كتاب قصتي من الكتب الرائعة والجميلة أتمنى أن يكون ضمن مناهج المدارس والجامعات.

أعتذر على الإطالة.

دمتم بود وحب.

مانع عبدالصمد المعيني..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *